الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
84
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وفرع على التذكير بفسق الشيطان وعلى تعاظمه على أصل النوع الإنساني إنكار اتخاذه واتخاذ جنده أولياء لأن تكبره على آدم يقتضي عداوته للنوع ، ولأن عصيانه أمر مالكه يقتضي أنه لا يرجى منه خير وليس أهلا لأن يتبع . والاستفهام مستعمل في الإنكار والتوبيخ للمشركين ، إذ كانوا يعبدون الجن ، قال تعالى : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ [ الأنعام : 100 ] . ولذلك علل النهي بجملة الحال وهي جملة وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ . والذرية : النسل ، وذرية الشياطين والجن . والعدو : اسم يصدق على الواحد وعلى الجمع ، قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ [ الممتحنة : 1 ] وقال : هُمُ الْعَدُوُّ [ المنافقون : 4 ] . عومل هذا الاسم معاملة المصادر لأنه على زنة المصدر مثل القبول والولوع ، وهما مصدران . وتقدم عند قوله تعالى : فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ في سورة النساء [ 92 ] . والولي : من يتولّى ، أي يتخذ ذا ولاية بفتح الواو وهي القرب . والمراد به القرب المعنوي ، وهو الصداقة والنسب والحلف . و ( من ) زائدة للتوكيد ، أي تتخذونهم أولياء مباعدين لي . وذلك هو إشراكهم في العبادة ، فإن كل حالة يعبدون فيها الآلهة هي اتخاذ لهم أولياء من دون اللّه . والخطاب في أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وما بعده خطاب للمشركين الذين اتخذوه وليا ، وتحذير للمسلمين من ذلك . وجملة بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا مستأنفة لإنشاء ذم إبليس وذريته باعتبار اتخاذ المشركين إياهم أولياء ، أي بئس البدل للمشركين الشيطان وذريته ، فقوله : بَدَلًا تمييز مفسر لاسم ( بئس ) المحذوف لقصد الاستغناء عنه بالتمييز على طريقة الإجمال ثم التفصيل . والظالمون هم المشركون . وإظهار الظالمين في موضع الإضمار للتشهير بهم ، ولما في الاسم الظاهر من معنى الظلم الذي هو ذم لهم . [ 51 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 51 ] ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ( 51 )